قالت كيرستن كنيب، إن مصر تواجه تحديًا متزايدًا في الحفاظ على توازن دقيق بين أطراف الصراع الإقليمي، في وقت تتفاقم فيه التداعيات الاقتصادية للحرب الأمريكية الإيرانية، بينما تهدد هجمات جماعة الحوثي وحالة التوتر في البحر الأحمر أحد أهم مصادر الدخل القومي، وهو إيرادات قناة السويس، ما يدفع القاهرة إلى تكثيف جهودها الدبلوماسية للحفاظ على مصالحها الاقتصادية والأمنية.

 

وتشيرالكاتبة في تقرير نشرته دويتشه فيله إلى أن الحرب الأمريكية الإيرانية فرضت أعباء اقتصادية متزايدة على مصر، رغم ابتعادها عن المواجهة العسكرية المباشرة، إذ تسببت اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر والتهديدات المتكررة بإغلاق مضيق باب المندب في تقليص حركة السفن عبر قناة السويس، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على إيرادات الدولة في ظل أوضاع اقتصادية صعبة.

 

قناة السويس تدفع ثمن اضطرابات البحر الأحمر

 

تحتل قناة السويس مكانة محورية في حركة التجارة العالمية منذ افتتاحها عام 1869، إذ تمتد لنحو 193 كيلومترًا وتختصر آلاف الكيلومترات أمام السفن المتجهة بين أوروبا وآسيا، ما جعلها أحد أهم الممرات الملاحية في العالم.

 

لكن تصاعد التوترات في الشرق الأوسط خلال العامين الماضيين دفع شركات الشحن إلى تجنب المرور عبر البحر الأحمر بسبب هجمات الحوثيين على السفن التجارية قرب مضيق باب المندب، وهو الممر الإجباري المؤدي إلى قناة السويس.

 

ومع تجدد تهديدات الحوثيين بفرض حصار على الملاحة في المضيق، تتزايد المخاوف من تراجع إضافي في أعداد السفن العابرة للقناة، الأمر الذي يمثل ضربة قوية للاقتصاد المصري الذي يعتمد بصورة كبيرة على رسوم العبور كمصدر رئيسي للعملة الأجنبية.

 

ووفقًا لرئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي، خسرت مصر نحو سبعة مليارات دولار نتيجة انخفاض حركة الملاحة عبر قناة السويس خلال عام 2024، بينما أشارت تقارير إلى أن الخسائر الشهرية بلغت في بعض الفترات ملايين الدولارات.

 

أزمة اقتصادية تضيق هامش المناورة

 

يرى خبراء أن القاهرة تواجه وضعًا اقتصاديًا شديد التعقيد، إذ ارتفعت أسعار الطاقة العالمية، وزادت تكلفة الواردات، وارتفع معدل التضخم، في وقت تواصل فيه الحكومة تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي.

 

ويؤكد التقرير أن إيرادات قناة السويس انخفضت من نحو 10.25 مليارات دولار في عام 2023 إلى قرابة أربعة مليارات دولار في 2024، بالتزامن مع تراجع عدد السفن العابرة من أكثر من 26 ألف سفينة إلى ما يزيد قليلًا على 13 ألفًا، بعدما فضلت شركات الشحن الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح لتجنب مخاطر البحر الأحمر.

 

كما تواجه مصر ضغوطًا إضافية بسبب ارتفاع الدين العام واعتمادها على قروض صندوق النقد الدولي، إلى جانب حاجتها المستمرة للاستثمارات والدعم المالي من دول الخليج، وهو ما يجعل أي اضطراب جديد في حركة الملاحة أو أسواق الطاقة عاملًا يزيد الضغوط على الاقتصاد الوطني.

 

ويشير التقرير إلى أن النموذج الاقتصادي الحالي لا يتيح بدائل سريعة لتعويض خسائر قناة السويس، في ظل بطء تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية واستمرار الاعتماد على المشروعات الحكومية الكبرى والاستثمارات الخارجية.

 

دبلوماسية التوازن لحماية المصالح المصرية

 

يؤكد التقرير أن القاهرة تنتهج سياسة تقوم على إدارة المخاطر أكثر من الانحياز لأي طرف، إذ تحرص على الحفاظ على علاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة والسعودية والإمارات، وفي الوقت نفسه تتجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران، مع استمرار قنوات الاتصال السياسية والدبلوماسية بين الجانبين.

 

وتدعم مصر جهود الوساطة الرامية إلى تهدئة التوتر بين واشنطن وطهران، وإن كان ذلك بعيدًا عن الأضواء مقارنة بالدور الذي تؤديه قطر وسلطنة عمان، انطلاقًا من إدراكها أن أي تصعيد جديد في البحر الأحمر سيؤثر مباشرة على الاقتصاد المصري.

 

ويرى التقرير أن القاهرة تُظهر تضامنها العلني مع حلفائها الخليجيين عبر إدانة تهديدات الحوثيين وتعزيز الإجراءات الأمنية حول قناة السويس، لكنها في المقابل تحافظ على تواصلها مع طهران لتجنب تحول القناة أو المصالح المصرية إلى أهداف مباشرة للصراع.

 

ويخلص التقرير إلى أن مستقبل الاقتصاد المصري يرتبط إلى حد كبير بمصير التوترات في البحر الأحمر، إذ تعني كل موجة تصعيد خسائر إضافية في العملة الأجنبية وتراجعًا في الإيرادات، بينما يمنح أي تقدم نحو التهدئة فرصة لالتقاط الأنفاس واستعادة النشاط الاقتصادي. إلا أن القرار النهائي بشأن إنهاء الأزمة، بحسب التقرير، لن يُحسم في القاهرة، بل سيعتمد على مواقف واشنطن وطهران، إضافة إلى مسار تحركات جماعة الحوثي في البحر الأحمر.


https://amp-dw-com.cdn.ampproject.org/v/s/amp.dw.com/en/iran-war-egypts-difficult-balancing-act/a-78162983?amp_gsa=1&amp_js_v=a9&usqp=mq331AQIUAKwASCAAgM%3D#amp_tf=From%20%251%24s&aoh=17853980770587&referrer=https%3A%2F%2Fwww.google.com&ampshare=https%3A%2F%2Fwww.dw.com%2Fen%2Firan-war-egypts-difficult-balancing-act%2Fa-78162983